معبــود الوهابييـن....
معبــود الوهابييـن
قال ابن باز في فتاويه: 4/131:
التأويل في الصفات منكر ولا يجوز، بل يجب إقرار الصفات كما جاءت على ظاهرها اللائق بالله جل وعلا، بغير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وعلى هذا سار أهل العلم من أصحاب النبي (ص) ومن بعدهم أئمة المسلمين كالأوزاعي والثوري ومالك وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق). انتهى.
وليت الشيخ ابن باز سمى لنا واحداً من الصحابة أجرى الصفات على ظاهرها الحسي، وليته ذكر نصاً عن واحد من التابعين أو تابعي التابعين الذين سماهم، فقد تتبعنا أقوالهم في الصفات وذكرنا عدداً منها في فصل تجسيم الذهبي، ولم نجد فيها مسألة الحمل على الظاهر الحسي!
وسوف تعرف إن شاء الله تعالى عدم صحة تسترهم بالإمام مالك في الحمل على الظاهر، وعدم صحة ما نسبوه إليه، فلم يبق عندهم إلا قدماء المجسمة مثل كعب الأحبار ووهب ومقاتل ومن قلدهم!
وقد حشر أحد المسلمين مرجعهم في الحديث الشيخ ناصر الدين الألباني عندما وجه إليه السؤال التالي الذي ورد في فتاوي الألباني ص 509:
--------------------------------(۱)----------------------------
سؤال: هل العقيدة التي يحملها السلفيون هي عقيدة الصحابة؟ وإن هناك من الناس من يزعم إن كانت عقيدة الصحابة فأتونا ولو بصحابي واحد يقول في الصفات نؤمن بالمعنى ونفوض الكيف.
جواب: هل هناك صحابي تأول تأويل الخلف، نريد مثالاً أو مثالين؟!
وقال البغوي في تفسير قوله: ثم استوى على العرش، قال الكلبي ومقاتل: استقر، وقال أبو عبيدة صعد، وأولت المعتزلة الإستواء بالإستيلاء، وأما أهل السنة فيقولون: الإستواء على العرش صفة الله بلا كيف يجب على الرجل الإيمان به ويكل العلم فيه إلى الله. وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله: الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ فأطرق مالك رأسه ملياً وعلاه الرحضاء ثم قال: الإستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا ضالاًّ، ثم أمر به فأخرج). انتهى.
فانظر إلى جواب هذا العالم الوهابي لهذا السائل العادي، فهو يناقش سائله بأنك إن قلت لا يوجد صحابي حمل الصفات على الظاهر الحسي كالوهابيين، فإنه لا يوجد صحابي وافق مذهب المتأولين!
وللسائل أن يجيبه: ما دام الصحابة لم يوافقوا الوهابيين ولا المتأولين، فالصحيح إذن هو مذهب التفويض؟!
ثم كيف ينكر الألباني تأويل الصحابة كعائشة وابن عباس وابن مسعود، فضلاً عن أهل البيت (عليهم السلام)، وتأويل التابعين الذي ذكرنا منه نماذج في المذهب الأول، ومنه تأويل أبي سعيد لنزول الله تعالى بنزول رحمته كما تقدم، وتأويل مالك لذلك بنزول أمره، كما سيأتي.
----------------------------(۲)----------------------------
وأخيراً، لم يجد الألباني مؤيدا لمذهبه الوهابي إلا مقاتلاً الفارسي المجوسي تلميذ اليهود المجسمين، وابن الكلبي المشهود عليه من الجميع بعدم الوثاقة! فانظر إلى بؤس هذا المذهب الذي يدعي أنه وارث السلفية وحامل رايتها والضارب وجوه المسلمين بسيفها، كيف فتش مرجعه في الحديث وبحث في المصادر وطرق أبواب السلف من الصحابة والتابعين، فلم يجد أحداً منهم يؤيد رأيه إلا أمثال هذه النظائر.. مقاتل وابن الكلبي، هذان كل السلف!!
وقال الألباني في فتاويه ص 516:
سؤال: هل أن مذهب السلف هو التفويض في الصفات؟
جواب: قال ابن حجر العسقلاني وهو أشعري: إن عقيدة السلف فهم الآيات على ظاهرها دون تأويل ودون تشويش، إذا آمنا برب موجود لكن لا نعرف له صفة من الصفات... وحينئذ كفرنا برب العباد حينما أنكرنا الصفات بزعم التفويض). انتهى.
ويلاحظ أن سؤال السائل عن تفويض السلف، وينبغي أن يكون الجواب بذكر رأي أحد من السلف يفسر الصفات بالظاهر ولا يفوضها، ولو كان شخصاً واحداً، ولكن الألباني لم يأت له بمثال من السلف، لأنه لا يوجد كما رأيت في نصوصهم!
وجاء بدل ذلك بشهادة ادعاها لأحد علماء خلف.. الخلف، لأن ابن حجر متوفى سنة (582) يعني في أواخر القرن السادس!
ثم من حقنا أن نطالب الألباني بنص شهادة ابن حجر ومصدرها! فقد ذكرها بلا مصدر وخلطها بكلامه! وسيأتي رأي ابن حجر المخالف لماذكره عنه الألباني وسترى حملته الشديدة على أجداد الألباني من الحنابلة المجسمين.
---------------------(۳)-------------------
هذا عن أكبر عالمين عند الوهابيين في عصرنا، وسنذكر المزيد من نصوصهم عن مذهبهم في التجسيم.
أما إمام الوهابيين فلم أطلع له على بحث معمق في التوحيد أو الصفات، وكتابه (التوحيد) يبدو أنه ألفه على عجل، حيث سرد فيه أحاديث في موضوعات متعددة تتعلق بموضوعات متنوعة من التوحيد، ووضع بعد كل حديث أو أكثر فهرساً مختصراً لما استفاده من أفكار، وسمى ذلك (مسائل) ولم أجد فيه حول الصفات إلا موردين فقط ولكنهما كافيان لإثبات أن معبوده مادي أعاذنا الله!
المورد الأول في ص 130، ونذكر نصه كاملاً لإختصاره، قال:
(باب من جحد شيئاً من الأسماء والصفات وقول الله تعالى: وهم يكفرون بالرحمن.. الآية، قال البخاري في صحيحة علي: حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله. وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس أنه رأى رجلاً انتفض حين سمع حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات استنكاراً لذلك فقال: ما فرق هؤلاء، يجدون رقة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه). انتهى.
ولما سمعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الرحمن أنكروا ذلك فأنزل الله فيهم (وهم يكفرون بالرحمن). فيه مسائل:
الأولى: عدم الإيمان بجحد شئ من الأسماء والصفات.
الثانية: تفسير آية الرعد.
------------------------(۴)--------------------
الثالثة: ترك التحديث بما لا يفهم السامع.
الرابعة: ذكر العلة أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله ولو لم يتعمد المنكر.
الخامسة: كلام ابن عباس لمن استنكر شيئاً من ذلك وأنه أهلكه). انتهى كلام إمام الوهابيين.
ويبدو بالنظرة الأولى أن استشهاده بحديث علي (عليه السلام) وحديث ابن عباس كان أمراً عادياً، ولكن المطلع على عقائد المجسمين واستدلالهم يطمئن بأنه يقصد التجسيم المحض الوارد في خبر أم الطفيل، الذي حكم بكذبه عدد من علماء الجرح والتعديل من إخواننا السنة، وبعضهم صححه فتأوله أو فوضه، ولكن المجسمة صححوه واعتبروه من العلم الذي يكتم عن العامة، ويبقى محصوراً بين خاصة الخاصة!!
قال الذهبي في سيره: 10/602:
(فأما خبر أم الطفيل، فرواه محمد بن إسماعيل الترمذي وغيره: حدثنا نعيم، حدثنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال أن مروان بن عثمان حدثه عن عمارة بن عامر، عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أنه رأى ربه في صورة كذا، فهذا خبر منكر جداً، أحسن النسائي حيث يقول: ومن مروان بن عثمان حتى يصدق على الله! وهذا لم ينفرد به نعيم، فقد رواه أحمد بن صالح المصري الحافظ، وأحمد بن عيسى التستري، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب، عن ابن وهب قال أبو زرعة النصري: رجاله معروفون.
قلت: بلا ريب قد حدث به ابن وهب وشيخه وابن أبي هلال، وهم معروفون عدول، فأما مروان، وما أدراك ما مروان؟ فهو حفيد أبي سعيد بن
---------------------(۵)-------------------
المعلى الأنصاري، وشيخه هو عمارة بن عامر بن عمرو بن حزم الأنصاري، ولئن جوزنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو أدرى بما قال، ولرؤياه في المنام تعبير لم يذكره صلى الله عليه وسلم، ولا نحن نحسن أن نعبره، فأما أن نحمله على ظاهره الحسي فمعاذ الله أن نعتقد الخوض في ذلك بحيث أن بعض الفضلاء قال: تصحف الحديث، وإنما هو: رأي رئية بياء مشددة، وقد قال علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون. وقد صح أن أبا هريرة كتم حديثاً كثيراً مما لا يحتاجه المسلم في دينه، وكان يقول: لو بثثته فيكم لقطع هذا البلعوم، وليس هذا من باب كتمان العلم في شئ، فإن العلم الواجب يجب بثه ونشره ويجب على الأمة حفظه، والعلم الذي في فضائل الأعمال مما يصح إسناده يتعين نقله ويتأكد نشره، وينبغي للأمة نقله، والعلم المباح لا يجب بثه ولا ينبغي أن يدخل فيه إلا خواص العلماء). انتهى.
وما قاله الذهبي هو الذي يقصده إمام الوهابيين، فقد عقد الباب تحت عنوان (باب من جحد شيئاً من الأسماء والصفات) ليقول إن الإيمان بكل صفات الله تعالى واجب وإنكار شئ منها كفر، وبما أن عدداً من صفات الله تعالى على مذهبه يلزم منها التجسيم، لذا تحدث عن وجوب كتمان ذلك إلا عن أهله، واستشهد بروايتين عن علي (عليه السلام) وابن عباس تجوزان كتمان هذا العلم!!
وهو أيضاً نفس ما قاله الذهبي عن (العلم المباح) أي المحظور، من تسمية الشئ بضده، ثم أفتى الذهبي بوجوب حصره بأهله وهم خواص العلماء بزعمه فقال (والعلم المباح لايجب بثه ولا ينبغي أن يدخل فيه إلا خواص العلماء)!
------------------(۶)-----------------
وذلك شبيهاً بالعلم الذي يحصره اليهود والنصارى برؤساء الإكليروس أي كبار الكرادلة والحاخامات!!
والنتيجة التي يهدفون إليها من توظيف هذه الأحاديث أن النبي (صلى الله عليه وآله) وعلياًّ (عليه السلام)، وابن عباس، وأبا هريرة، كلهم مجسمون كالوهابيين وأنهم كانوا يكتمون صفات الله تعالى ويأمرون بكتمانها!!
ومن الواضح لمن له إطلاع على الحديث والتاريخ أن الأحاديث الثلاثة التي استشهد بها إمام الوهابيين والذهبي لا يصلح شئ منها شاهداً.
أما حديث أبي هريرة فقال عنه الناشر في هامش سير أعلام النبلاء في نفس الموضع: (أخرجه البخاري 1/191 - 192 (وفي طبعتنا: 1/8) في العلم: (باب حفظ العلم، من طريق إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أخي، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم. قال الحافظ: وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم، وقد كان أبو هريرة يكني عن بعضه، ولا يصرح به خوفاً على نفسه منهم، كقوله: أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية، لأنها كانت سنة ستين للهجرة، واستجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة). انتهى.
فقصد أبي هريرة بشهادة ابن حجر وشهادة النصوص الأخرى المشابهة والقرائن، أنه كان يكتم ما قاله النبي (صلى الله عليه وآله) في انحراف الأمة من بعده، وسبب كتمانه خوفه من السلطة!
-----------------(۷)----------------
وأين هذا من كتمان صفات الله الحسية إلا عن خواص العلماء كما زعموا؟!! وأما حديث علي (عليه السلام) فقد علق عليه في هامش سير النبلاء أيضاً بقوله: أخرجه عنه البخاري في صحيحه 1/199 (وفي طبعتنا: 1/41) في العلم: (باب حفظ العلم، في العلم: باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، من طريق عبيد الله بن موسى، عن معروف بن خربوذ، عن أبي الطفيل، عن علي). انتهى. ورواه أيضاً في كنز العمال: 10/247 و301 و304. وهو يقرر قاعدة عامة هي أن التعليم والمخاطبة ينبغي أن يكونا متناسبين مع مستوى المخاطبين، ولا دلالة فيه ولا إشارة على ارتباطه بصفات الله تعالى أو بغيرها من المواضيع، وإن كنت أرجح أيضاً أن معناه قريب من معنى الحديث المتقدم.. فمن أين حكموا أن علياً (عليه السلام) يقصد كتمان الصفات، وأنه كان وهابياً مجسماً يكتم لوازم مذهبه عن المسلمين كما يفعلون!!
وأما حديث ابن عباس فقد تفرد به عبد الرزاق في مصنفه: 11/422، ولم أجده في أي مصدر غيره على كثرة ما راجعت، ورواه بعد حديث أبي هريرة في قصة المناظرة المزعومة بين الجنة والنار، قال: (عن معمر، عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعرتهم؟ فقال الله للجنة: إنما أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فإنهم يلقون فيها وتقول هل من مزيد، فلا تمتلئ حتى يضع رجله أو قال قدمه فيها،
-----------------(۸)----------------
فتقول: قط، قط، قط، فهنالك تملأ وتنزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحداً، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها ما شاء.
أخبرنا عبدالرزاق، عن معمر، عن ابن طاووس عن أبيه قال: سمعت رجلاً يحدث ابن عباس بحديث أبي هريرة هذا، فقام رجل فانتقض، فقال ابن عباس: ما فرق من هؤلاء يجدون عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه). انتهى ما في مصنف عبد الرزاق بلفظه. ولكن عبارة إمام الوهابية هي (عن ابن عباس أنه رأى رجلاً انتفض حين سمع حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات استنكاراً لذلك فقال) وقصده بالصفات أن الرجل المستمع لم يؤمن بأن الله تعالى له رجل ويضعها في النار واستنكر ذلك فوبخه ابن عباس! فمن أين له العلم بذلك، فقد يكون الرجل صحابياً جليلاً استنكر على راوي الحديث هذا التجسيم، وقام من المجلس اعتراضاً.
ثم إن قول ابن عباس مجمل لا يدل على أنه قصد بالهلاك ذلك الرجل الذي انتفض أو تأفف ونكت ثيابه تبرأ! فقد يكون قصد بعض رواة الحديث.
وهل يستحق صحابي أو تابعي الحكم بالهلاك والكفر لأنه نهض ونكت ثيابه حتى لا يتحمل مسئولية حديث يراه كاذباً أو يشك فيه؟!
ثم إن عبارة ابن عباس التي في مصنف عبد الرزاق فيها كلمة (من) وليس فيها كلمة (رقة) التي نقلها إمام الوهابيين، ولو قلنا إن أصلها (يجدون رقة) لم يستقم المعنى أيضاً، لأن مقتضى مقابلتها بقوله (ويهلكون عند متشابهه) أن يقول (يرقون عند محكمه) لا أن يقول (يجدون رقة عند محكمه).
كما أنه لا معنى مفهوماً لقوله (ما فرق من هؤلاء).. إلخ. فإن في كلام ابن عباس تصحيفاً وإبهاماً.
---------------------(۹)-------------------
ولكن مع ذلك ينبغي أن نشهد لإمام الوهابيين بأنه في هذا الموضوع أذكى من الذهبي، لأن حديث ابن عباس الذي استشهد به أكثر قرباً من هدفه، وإن كان لا دلالة فيه عليه!
المورد الثاني: تبنى إمام الوهابيين عدداً من أحاديث التجسيم خاصة حديث الحاخام، الذي ادعت بعض مصادر إخواننا أن النبي (صلى الله عليه وآله) صدقه، وقد أوردها ابن عبد الوهاب في آخر كتابه التوحيد وعقد لها باباً خاصاً فقال: (عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة) الآية. وفي رواية لمسلم والجبال والشجر على إصبع، ثم يهزهن فيقول أنا الملك أنا الله، وفي رواية للبخاري (يجعل السموات على إصبع والماء والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع) إلى آخره). انتهى.
وراجع إن شئت في المجلد الثاني من العقائد الإسلامية روايات هذه القصة المزعومة التي تدعي أن أحد حاخامات اليهود علم نبينا (صلى الله عليه وآله) التجسيم!!
وقد تبنى إمام الوهابية هذه الأحاديث وتعمق في الغوص على معانيها، واستخراج لآليها، فاستنبط منها تسع عشرة مسألة عقائدية، قدمها إلى المسلمين ليوحدوا الله تعالى على أساسها فقال: فيه مسائل:
---------------(۱۰)---------------
الأولى: تفسير قوله: والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة.
الثانية: أن هذه العلوم وأمثالها باقية عند اليهود الذين في زمنه (ص) لم ينكروها ولم يتأولوها.
الثالثة: أن الحبر لما ذكر ذلك للنبي (ص) صدقه، ونزل القرآن بتقرير ذلك!
الرابعة: وقوع الضحك الكثير من رسول الله (ص) عنده، لما ذكر الحبر هذا العلم العظيم.
الخامسة: التصريح بذكر اليدين، وأن السموات في اليد اليمنى والأرضين في الأخرى.
السادسة: التصريح بتسميتها الشمال.
السابعة: ذكر الجبارين والمتكبرين عند ذلك.
الثامنة: قوله كخردلة في كف أحدهم.
التاسعة: عظمة الكرسي بنسبته إلى السماوات.
العاشرة: عظمة العرش بنسبته إلى الكرسي.
الحادية عشرة: أن العرش غير الكرسي والماء.
الثانية عشرة: كم بين كل سماء إلى سماء.
الثالثة عشرة: كم بين السماء السابعة والكرسي.
الرابعة عشرة: كم بين الكرسي والماء.
الخامسة عشرة: أن العرش فوق الماء.
السادسة عشرة: أن الله فوق العرش.
السابعة عشرة: كم بين السماء والأرض.
----------------------------------------(۱۱)
الثامنة عشرة: كثف كل سماء خمسمائة سنة.
التاسعة عشرة: أن البحر الذي فوق السموات بين أسفله وأعلاه مسيرة خمسمائة سنة). انتهى.
وهكذا أصدر إمام الوهابية حكمه بأن علوم اليهود هذه عن تجسيم الله تعالى بقيت سليمة لم تنلها يد التحريف، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) ضحك كثيراً لهذا العلم العظيم، وأن الله تعالى أنزل بتصديقه قرآناً، وقد يكون الله تعالى ضحك أيضاً مثل رسوله تصديقاً للحبر اليهودي، وارث هذا العلم المخزون العظيم ومبلغه إلى خاتم النبيين!!
والنتيجة عنده: أن الله تعالى له يدان وأصابع بالمعنى المادي الحسي، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) أقر هذا المعنى المادي ليدي الله تعالى وأصابعه ولم يتأوله، وأن الله تعالى موجود في منطقة فوق العالم على عرشه، وأن المسافة بيننا وبينه محددة بكذا سنة من السير مشياً على الأقدام!!
بل يمكن لنا بناء على رأي إمام الوهابية أن نحسب المسافة إلى عرش الله تعالى ومكان وجوده بالكيلومتر ونرسل إليها سفينة فضائية!!
ونترك الفتوى في ذلك إلى مفتي الوهابية الشيخ ابن باز؟!
من هذين النصين لإمامهم ابن عبد الوهاب والنصوص الكثيرة لاتباعه، يطمئن الباحث بأن مذهبهم في التوحيد هو نفس مذهب مجسمة اليهود، ثم مجسمة الحنابلة وابن تيمية والذهبي، فهم:
أولاً: يرفضون التأويل لأنه لا مجاز بزعمهم في القرآن والسنة، فكل الألفاظ يجب أن تحمل على معناها اللغوي المادي ولا يجوز أن تحمل على معان مجازية، أو تؤول أو تشوش على حد تعبيرهم!
------------------(۱۲)-----------------
فعندما يقول القرآن أو الحديث (يد الله وعين الله ووجه الله) فمعناه عندهم أن الله تعالى له يد وعين ووجه حقيقةً لا مجازاً! وعندما يقول (كل شئ هالك إلا وجهه) فمعناه عندهم أن الله يفنى ويبقى وجهه فقط، كما سيأتي!!
قال الشيخ ابن باز في فتاويه: 4/382:
(الصحيح الذي عليه المحققون (؟) أنه ليس في القرآن مجاز على الحد الذي يعرفه أصحاب فن البلاغة، وكل ما فيه فهو حقيقة في محله). انتهى.
وما أدري كيف يجرؤ عالم على إنكار وجود المجاز في القرآن، أي في اللغة العربية، التي نزل بها القرآن، ثم ينسب ذلك إلى المحققين الذين نرجوه أن يذكر لنا نصف واحد منهم!
بل كيف يستطيع أن يعيش مع الناس ومع عائلته إذا حمل كلامهم كله على الحقيقة، وماذا يفعل بمن يقول له: قرت عينك؟ فهل يفتي بجلده لأنه دعا عليه بسكون عينه والموت؟!
وغاية ما وصلت إليه أساليبهم الجدلية في الإستدلال على نفي المجاز في القرآن ما تقدم من كلام ابن تيمية، ومفاده أن ظاهر الآية إن كان غير مراد فهو باطل، ولا يجوز أن نقول إن ظاهر القرآن باطل، فلابد أن يكون مراداً!!
ولكنها مغالطة مكعبة، في معنى الظاهر، ومعنى البطلان، ومعنى الوجود في القرآن! وذلك لأنا بقولنا ظاهر الآية غير مراد نكون نفينا هذا المعنى عن القرآن فكيف يكون موجوداً فيه؟!
ولأن الباطل هو تصورنا الخاطئ لمعنى الآية وليس شيئاً موجوداً في القرآن.
ولأن الظاهر المنفي بقرينة لفظية أو عقلية لا يبقى ظاهراً، بل يصير خيالاً، بل إن الظاهر الحقيقي للكلام هو المعنى المتبادر المستقر، أما الظاهر بنظرة أولى
---------------------(۱۳)--------------------
الذي يزول بالقرينة فهو كالفجر الكاذب الذي ما يلبث أن يزول ويعم الظلام ثم يظهر الفجر الصادق. فالقرينة اللفظية أو العقلية ذات دور مصيري في تعيين ماهو الظاهر المستقر.
وهذه النقطة مهمة في معرفة الخلل عندهم في فهم الظاهر والحمل على الظاهر. ولكن المسكونين بالظاهر الحسي والفهم المادي يستعملون لإثبات مزاعمهم الجدل المكعب، بل قد يستعملون المسدس، كما يفعلون في الباكستان!
ثانياً: أنهم يحرِّمون السكوت عن تفسير هذه الصفات وتفويض أمرها إلى الله تعالى، لأن ذلك يؤدي بزعمهم إلى التعطيل والإلحاد، وقد تقدم قول ابن تيمية (فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد)!
وهذا معناه أنهم يحرمون أي تأويل أو تفسير معنوي لآيات الصفات، ويحرمون تفويضها أيضاً ويوجبون على المسلمين تفسيرها بالمعنى الحسي المادي...!!
من کتاب الوهابيّة والتوحيد