الصحابة فی صلح الحدیبیة...
الصحابة فی صلح الحدیبیة
...مجمل القصة أن رسول الله (ص) خرج فی السنة السادسة للهجرة یرید العمرة مع ألف وأربعمائة من أصحابة،فأمرهم أن یضعوا سیوفهم فی القرب، وأحرم هو وأصحابه بذی الحلیفة،وقلدوا الهدی لیعلم قریشاً أنه إنما جاء زائراً معتمراً ولیس محارباً، ولکن قریشاً بکبریائها خافت أن یسمع العرب بأن محمداً دخل عنوة الی مکة کسر شوکتها،فبعثوا إلیه بوفد یرأسه سهیل بن عمرو بن عبد ود العامری،وطلبوا منه أن یرجع فی هذه المرة من حیث أتی علی أن یترکوا له مکة فی العام القادم ثلاثة أیام، وقد اشترطوا علیه شروطاً قاسیة قبلها رسول الله لاقتضاء المصلحة التی أوحی بها إلیه ربه عز وجل.
ولکن بعض الصحابة لم یعجبهم هذا التصرف من النبی، وعارضوه فی ذلک معارضة شدیدة، وجاءه عمربن الخطاب فقال:ألست نبی الله حقاً؟؟؟ قال: بلی
قال عمر: ألسنا علی الحق وعدتنا علی الباطل؟؟؟ قال: بلی
قال عمر: فلم نعطی الدنیة فی دیننا إذاً؟؟
قال رسول الله (ص): إنی رسول الله ولست أعصیه وهو ناصری،
قال عمر: أولست کنت تحدثنا أنا سنأتی البیت فنطوف به؟؟؟
قال رسول الله(ص):بلی ، أفأخبرتک أنا نأتیه العام؟؟ قال عمر: لا.
قال (ص): فإنک آتیه ومطوف به.
ثم أتی عمر بن الخطاب الی أبی بکر فقال: یا أبابکر ألیس هذا نبی الله حقاً؟؟؟
قال: بلی،ثم سأله عمر نفس الأسئلة التی سألها رسول الله، وأجابه أبو بکربنفس الأجوبة قائلاً له : أیها الرجل، إنه لرسول الله ولیس یعصی ربه، وهوناصره فاستمسک بغرزه.
ولما فرغ رسول الله(ص) من کتاب الصلح قال لأصحابه : قوموا فانحروا ثم أحلقوا، فوالله ما قام منهم رجل حتی قال ذلک ثلاث مرات، فلما لم یمتثل لأمره منهم أحد؛ فدخل خباءه ثم خرج فلم یکلم أحداً منهم بشیء حتی نحر بدنةً بیده، ودعا حالقه فحلق رأسه، فلما رأی أصحابه ذلک قاموا فنحروا وجعل بعضهم یحلق بعضاً،حتی کاد بعضهم یقتل بعضاً(1)
هذه مجمل قصة الصلح فی الحدیبیة ، وهی من الأحداث المتفق علیها عند الشیعة والسنة،وقد ذکرها المؤرخون وأصحاب السیر کالطبري وابن الأثیروابن سعد وغیرهم کالبخاري ومسلم.وأنا لي وقفة ، فلایمکن لي أن أقرأ مثل هذا ولا أتأثر،ولاأعجب من تصرف هؤلاء الصحابة تجاه نبیهم،وهل یقبل عاقل قول القائلین بأن الصحابة رضی الله عنهم کانوا یمتثلون أوامر رسول الله (ص) وینفذونها،فهذه الحادثة تکذبهم وتقطع علیهم ما یرومون ، هل یتصور عاقل بأن هذا التصرف في مواجهة النبي هو أمر هین أومقبول أو معذور؟؟!
قال تعالی (فلا وربک لا یؤمنون حتی یحکموک فیما شجر بینهم ثم لا یجدوا في انفسهم حرجاً مما قضیت ویسلموا تسلیماً) سورة النساء/65
فهل سلم عمر بن الخطاب هنا، ولم یجد في نفسه حرجاً مما قضی الرسول (ص)؟
أم کان في موقفه تردد في ما أمر النبي وخصوصاً في قوله: أولست کنت تحدثنا أنا سنأتی البیت فنطوف . ... الی آخره؟؟؟
وهل سلم بعدما أجابه رسول الله بتلک الأجوبة المقنعة؟؟؟
کلا لم یقتنع بجوابه وذهب یسأل أبابکر نفس الأسئلة،و هل سلم بعدما أجابه أبوبکر!! ونصحه أن یلزم غرز النبي؟ لا أدري إذا کان سلم بذلک أو اقتنع بجواب النبي أو بجواب أبي بکر!!! وألا لماذا تراه یقول عن نفسه:<<فعملت في ذلک أعمالاً،یعنی نقض الصحیفة>>ورد في صحیح ابن حبان11/224
وقال ابن حجر في فتح الباري 5/255:<قال بعض الشراح:قوله:أعمالاً،أي من الذهاب والمجيء والسؤال والجواب،ولم یکن ذلک شکاًمن عمر بل طلباً لکشف ماخفي علیه وحثاً علی إذلال الکفار...>
أقول : إن عمر اعترف بنفسه بالشک حیث قال:(ما شککت منذ أسلمت ألا یومئذٍ)(2)
لا ریب أن هذه الجملة دالة علی أن عمر بن الخطاب کان شاکاً في دینه ، ولا شک أن الشک في الدین کفر، والتعصب الأعمی لتقدیس عمر بن الخطاب وغیره الکثیر من الشخصیات المصطنعة ادت بابن حجر العسقلاني مع تعلات عمر هذه و اعترافاته وشکوکه ألی جعله الأعلم بشؤون الدین ومصالحه من رسول الله (ص)؟!!
وذکر الآلوسي في تفسیره13/273
<<فلما تأخر ذلک (أي تأخرتعبیر الرؤیا التی رآها النبي (ص) في دخول مکة) قال علی طریق الاعتراض عبدالله بن أبی،وعبدالله بن نفیل،ورفاعة بن الحرث: والله ماحلقنا ولاقصرنا ولارأینا المسجد الحرام . وقد روي عن عمر قال نحوه علی طریق الاستکشاف لیزداد یقینه>>!
ولا ندري لماذا تأثر عمر بالمنافقین و أخذ یردد کلامهم، ونحن نأخذ بروایة الآلوسي ونترک درایته.
وفي الأزمنة الأخیرة ظهرت نابتة تدعي لنفسها العلم ،وتطلق الکلمات بدون تثبت ،حتی تجرأت تطعن في أهل البیت (ع)،فلما راوا صنائع الخلیفة عمر بن الخطاب المزریة في صلح الحدیبیة،وکیفیة اعتراضه علی الرسول الاکرم(ص)،و مکالمته بشدة وغلظة،وعدم اقناعه بما قاله(ص)، واقراره بأنه فعل افعالاً و أعمالاً یعلمها الله سبحانه وتعالی، وفوق ذلک کله اقراره بأنه ما شک في الاسلام إلا ذلک الیوم الذي صالح فیه النبي (ص) مع مشرکي قریش، فلما رأی أنصار عمر بن الخطاب ومحبیه هذه الأفعال الشنیعة والأعمال الغریبة التي تستوقف القارِِی للتأمل حتی أخذوا بالطعن بعمید أهل البیت (ع) وهو الامام علي(ع) فقالوا:علي بن أبي طالب لم یمتثل أمر الرسول الاکرم(ص) عندما أمره بمحو اسمه من کتاب الصلح ؟ فاذن لم یخالف النبي(ص) عمر بن الخطاب فقط و أنما علي بن أبي طالب خالف النبي(ص)وعصی أمره؟؟؟
وفي الجواب نکتفي بنقل کلام الامام الشوکاني و النووي فإنهما قد أجادا في دفع هذا الوهم: قال الإمام الشوکاني في نیل الأطوار 2/229 <قال الآسنوي: قد اشتهر زیادة سیدنا قبل محمد عند أکثر المصلین، وفي کون ذلک أفضل نظر.
وقد روي عن ابن عبد السلام أنه جعاه من باب سلوک الأدب ،وهو مبني علی أن سلوک طریق الأدب أحب من الامتثال،و یؤیده حدیث أبي بکر حین أمره(ص)أن یثبت مکانه فلم یمتثل وقال:ما کان لابن أبي قحافة أن یتقدم بین یدي رسول الله(ص)، وکذالک امتناع علي عن محو اسم النبي(ص) من الصحیفة في صلح الحدیبیة بعد أن أمره بذالک وقال:لا امحو اسمک ابداً... فتقریره(ص)لهما علی الامتناع من امتثال الأمر تأدباً مشعر بأولویته>، وایضاً نقله في عون المعبود العظیم آبادي 3/191
وقال النووي في شرح مسلم 12/126 <قوله:(فقال النبي(ص) لعلي: امحه! فقال: ما أنا بالذي امحاه)،هکذا هو فيجمیع النسخ بالذي امحاه، وهي لغة في امحوه، وهذا الذي فعله علي من باب الأدب المستحب لأنه لم یفهم من النبي(ص) تحتیم محو علي بنفسه ولهذا لم ینکر...>.
ویقرب من هذا الکلام ذکره،أیضاً، الجصاص في کتاب الفصول في الأصول 4/490 ، والصالحي الشامي في کتاب سبل الهدی والرشاد 5/77
وقال ابن حجرفي فتح الباري 7/503،:<ثم قال لعلي: امح رسول الله،أي امح هذه الکلمة المکتوبة من الکتاب. فقال: لا والله لا أمحوا أبداً.
وللنسائي من طریق علقمة بن قیس عن علي قال: کنت کاتب رسول الله(ص) یوم الحدیبیة، فکتب هذا ما صالح علیه محمد رسول الله،فقال: سهیل: لوعلمنا أنه رسول الله ما قاتلناه امحها،فقلت: هو والله رسول الله(ص) وأن رغم أنفک،لا والله لا امحوها، وکأن علیاً فهم أن أمره له بذالک لیس متحتماً فلذالک امتنع من امتثاله،ووقع في روایة یوسف بعد فقال لعلي: امح رسول الله؟ فقال: لا والله لا أمحاه ابداً.قال: فأرنیه،فأراه إیاه فمحاه النبي(ص) بیده، ونحوه في روایة زکریا عند مسلم وفي حدیث علي عند النسائي وزاد وقال: أما أن لک مثلها وستأتیها و أنت مضطر،فبشر(ص) إلی ما وقع لعلي یوم الحکمین فکان کذالک>.
هذا ما ذکره علماء السنة في دفع هذا الایهام الذي أورده في حق سید العترة الطاهرة علي بن أبي طالب(ع). ومنه تعرف أن هذا یختلف تمام الاختلاف عما صدر من عمر بن الخطاب من افعال وتصرفات شنیعة یندی لها الجبین، فعلي بن أبي طالب(ع) توقف عن محو اسم النبي(ص) من الصحیفة تأدباً واجلالاً و اکراماً له (ص)، بینما عمر بن الخطاب اعترض علی کتاب الصلح،ولم یقنع بجواب النبي(ص) فکلم ابا بکر، وقد شک في النبي(ص) و امر الدین، وذکربأنه فعل افعالاً الله اعلم بها...إلی غیرذلک.
فأین فعل عمر بن الخطاب المخالف للآداب والقیم الإسلامیة مع فعل علي ابن أبي طالب(ع) الموافق للأخلاق والموازین الأدبیة،مالکم کیف تحکمون!!!
بل أن الملاحظ بجد أن عمربن الخطاب قد شک في أمر رسوا الله(ص) ولم یفکر بأي شیء یخطر علی باله بأن هنالک مصلحة،أو غیر ذلک أدت ألی إبرام عقد الصلح، بینما علي (ع) کان ثابت الایمان لم یتغیر ولم یتبدل وازداد قوة،فلذالک رفض أمحاء اسم رسول الله(ص)،لأن یده لا تطیق مسح أسم النبي(ص).
(1)وردت هذة القصة بأسانید وأالفاظ مختلفة راجع: صحیح البخاري2/974 کتاب الشروط،باب شروط الجهاد وایضاً کتاب التفسیر في تفسیر سورة الفتح- مسند أحمد 3/486و4/331- المصنف للصنعاني5/339 – صحیح أبن حبان11/224 – تفسیر الطبري 13/117 – تفسیر ابن کثیر4/213 – البدایة والنهایة4/200- السنن الکبری للبیهقي9/220 – المعجم للطبراني20/14 – الدر المنثور للسیوطي 6/77 – نیل الأطوار للشوکاني8/187 – السیرة الحلبیة3/28
(2)انظر المصنف لعبد الرزاق5/339 – صحیح ابن حبان 11/224 – المعجم الکبیرللطبراني20/14 – تفسیر الطبري 26/129 – الدر المنثورللسیوطي6/77 – تفسیر الثعلبي9/60